الشيخ محمد النهاوندي
610
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الآن . قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فانّهم زعموا أن فيثاغورس راض نفسه حتّى سمع حفيف الملك « 1 » . ونظير هذه القوّة لسليمان عليه السّلام في قصّة النّمل : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ « 2 » فاللّه تعالى أسمع سليمان كلام النّملة ووأقفه على معناه . وهذا داخل أيضا في باب تقوية الفهم ، وكان حاصلا لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله حين تكلّم مع الذّئب ومع البعير . وثالثها : تقوية قوّة الشّمّ ، كما في حقّ يعقوب عليه السّلام ، فإنّ يوسف لمّا أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلمّا فصلت العير قال يعقوب : إنّي أجد ريح يوسف ، لولا أن تفنّدون . فأحسّ بها من مسيرة أيّام . ورابعها : تقوية قوّة الذّوق ، كما في حقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حين قال : « إنّ هذا الذراع يخبرني أنّه مسموم » . وخامسها : تقوية القوة اللّامسة ، كما في حقّ الخليل ، حيث جعل اللّه تعالى النّار بردا وسلاما عليه ، وكيف يستبعد هذا ، ويشاهد مثله في السّمندل « 3 » والنّعامة ؟ ! . وأما الحواسّ الباطنة ، فمنها قوّة الحفظ ، قال تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى « 4 » ومنها : قوّة الذّكاء ، قال عليّ عليه السّلام : « علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ألف باب من العلم ، واستنبطت من كلّ باب ألف باب » . فإذا كان هذا حال الوليّ ، فكيف حال النبيّ ؟ وأمّا القوى المحركة ، فمثل : عروج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى المعراج ، وعروج عيسى حيّا إلى السّماء ، ورفع إدريس وإلياس ، على ما وردت به الأخبار ، وقال تعالى : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ « 5 » . وأمّا القوى الرّحانيّة العقليّة فلا بدّ أن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصّفاء . اعلم أنّ تمام الكلام في هذا الباب أنّ النّفس القدسيّة النّبويّة مخالفة بماهيّتها لسائر النّفوس ، ومن لوازم تلك النّفس الكمال في الذّكاء والفطنة والحرية ، والاستعلاء والتّرفّع عن الجسمانيّات
--> ( 1 ) . في المصدر : خفيف الفلك . ( 2 ) . النمل : 27 / 18 . ( 3 ) . السّمندل : طائر بالهند لا يحترق بالنار فيما زعموا ، ونسيج من ريش بعض الطيور لا يحترق . ( 4 ) . الأعلى : 87 / 6 . ( 5 ) . النمل : 27 / 40 .